أحمد بن محمد ابن عربشاه
396
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وفي جواره دوحة كثيرة الثمار غزيرة الأنهار ، نضيرة الأزهار ، رائقة الماء والكلى ، فائقة النشو والنما ، شائقة النّشر « 1 » والهوى ، رياحينها طرية ومروجها بهية ومقاصفها شهية ، فكان الأسد ذو الزهادة إذا أطال اجتهاده ، وأراد أن يريح نفسه من مشاق العبادة ، يتوجه إلى ذلك الروض الأريض ، والمرج البهى الغريض ، والمرعى الطويل العريض ، فيتنزه في نواحيه ويسرح سوائم طرفه فيه ، ويشغل صادح لسانه وتسبيح خالقه ومنشيه . فبينما هو في بعض الأوقات يتمشى في تلك الخضروات ، صادف دبّا عظيم الجسم مليح الوسم ، فقبل الأرض بين يديه ، وذكر أنه أقبل لينتمى إليه ، وأنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شيمه وفضله ، فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سلك خيله ورجاله ، ويزجى في خدمته باقي عمره ممتثلا ، بارز مرسومه ونافذ أمره ، فتلقاه بالقبول والإقبال ، وشمله بالفضل والإفضال ، وقال له : طب : نفسا وقرّ عينا ، لقيت زينا ووقيت شينا ، فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه ، واشترط عليه أن يحتمى عن لحوم الحيوان ، ولا يتعرض لإيذاء طائر ولا إنسان ، فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وسار على سنن السنة والجماعة . ثم بعد مدة يسيره قصد الأسد مسيره ، وخرج يسير على باكر وحوله طائفة من العساكر ، فلقى جملا ضل الطريق وتاه عن الصاحب والصديق ، ونسيه الجمّال وتركه الرفيق ، فبادر إليه جماعة الأسد وهموا بتبضيعه « 2 » بالناب واليد ، فإنهم كانوا لشدة القرم ، ألهبت أحشاؤهم بالضرم ، فناداهم الأسد : ويلكم كفوا وعن التعرض إلى إيذائه عفّوا ، لئلا يصيبه من الكيد ما أصاب صاحب كسرى ذي الأيد ، من كسرى لما خرج صباحا إلى الصيد ، فقبل الجماعة الرّغام « 3 » وسألوا الإمام عن بيان ذلك الكلام .
--> ( 1 ) أي أشجارها شائقة ، ذات أوراق كثيرة منبسطة . ( 2 ) أي تقطيعه وتمزيقه . ( 3 ) الرغام : التراب ، والمعنى : قبلوا الأرض بين يديه .